تابعونا
قررت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، فرض إغلاق شامل على الضفة الغربية وإغلاق المعابر اعتباراً من اليوم الأحد، وحتى يوم السبت الموافق 2026/10/3 ، بذريعة "عيد العرش"الخارجية الاردنية:"إسرائيل" ستستمر بتدمير فرص السلام ما لم تواجه برد دولي رئيس وزراء بريطانيا:لا يمكن السماح بتقسيم الضفة وجعل الدولة الفلسطينية بعيدة المنالالعاهل الأردني الملك عبدالله يخاطب العالم محذراً من استمرار التغاضي عن جرائم إسرائيل وانتهاكاتهانبيل أبو ردينة : أي محاولة  لتجاوز دولة فلسطين وصوت شعبها لن تنجححوار أممي: سلط الضوء على الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال الفلسطينيون خلال الاعتقال ودعا إلى توفير الحماية لهم ومساءلة إسرائيل عن الانتهاكات المرتكبة بحقهمحسين الشيخ :البيانات لن توقف جرائم الاحتلال، بل المطلوب دعم صمود الشعب الفلسطيني على أرض وطنه واتخاذ إجراءات صارمة رادعة لتغول الاحتلال وعنصريته وجرائمه
الرئيسة/  دراسات

صانعوا الملوك والخريطة السياسية للانتخابات الاسرائيلية"1"

أمس
شارك الموضوع

 

 

مهاب عادل حسن

باحث مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

تأتي الانتخابات الإسرائيلية السادسة والعشرون للكنيست، المقرر انعقادها في 27 أكتوبر 2026، في ظل سياق تتعقد متغيراته وتتداخل تداعياته على المستويات المختلفة، بما ينعكس على المشهد الانتخابي، ولا سيما على الخريطة السياسية للأحزاب المنتمية إلى تيارات الطيف السياسي المختلفة، وتحالفاتها القائمة والمحتملة بين معسكري الائتلاف الحكومي والمعارضة. فضلًا عن ذلك، يفرض سياق الصراع متعدد الجبهات الذي تخوضه إسرائيل منذ اندلاع أحداث السابع من أكتوبر نفسه على أجندة الحملات الانتخابية وبرامج الأحزاب ومواقفها من القضايا المطروحة.

وفي ضوء هذه المعطيات وحالة الاستقطاب السياسي والاجتماعي المتصاعدة، وما ترتب عليها من تحولات في خريطة التحالفات والأوزان النسبية للأحزاب المنتمية إلى مختلف تيارات الطيف السياسي، وفقًا لنتائج استطلاعات الرأي خلال الفترة الماضية، برزت أهمية الأحزاب الصغيرة في معادلة المنافسة الانتخابية، ولا سيما مع احتمال عدم حصول أي من الكتل الرئيسية على أغلبية مستقلة تمكنها من تشكيل الحكومة. ومن ثم، قد تكتسب هذه الأحزاب دورًا مؤثرًا بوصفها "صانعي ملوك" في مرحلة ما بعد الانتخابات، سواء من خلال الانضمام إلى إحدى الكتل أو تقديم الدعم اللازم لتأمين الأغلبية البرلمانية، وهو ما يجعل مواقفها وتحالفاتها عاملًا مهمًا في تحديد مسارات تشكيل الحكومة المقبلة.

المشهد الانتخابي ومعطيات السياق الراهن

تنبع أهمية هذه الانتخابات المقرر انعقادها في 27 أكتوبر 2026 من السياق الاستثنائي الذي تجري فيه، إذ تأتي بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب الأطول في تاريخ الدولة العبرية، والتي امتدت إلى جبهات متعددة، وما صاحبها من تداعيات أمنية وسياسية واجتماعية داخلية. وقد أسهمت هذه التطورات، إلى جانب سياسات الحكومة الحالية وطريقة تعاملها مع تداعيات الحرب، في تصاعد حالة الاستقطاب السياسي والمجتمعي، ودفع المعارضة وقوى سياسية أخرى إلى المطالبة بإجراء انتخابات مبكرة خلال الفترة الماضية[1]. غير أن هذه الدعوات اصطدمت بالحسابات السياسية للائتلاف الحاكم وتعقيدات الحفاظ على تماسكه، ولا سيما في ظل استمرار الحرب وتداعيات الإخفاقات المرتبطة بأحداث السابع من أكتوبر، بما حال دون إجراء الانتخابات خلال تلك الفترة، في الوقت الذي أسهمت فيه هذه الحسابات، إلى جانب عوامل أخرى، في إطالة أمد الحرب وتعثر محاولات إنهائها، لتستمر دون نهاية مؤكدة حتى موعد إجراء الانتخابات المرتقبة.

وتبرز هنا مفارقة بين السياق الراهن لهذه الانتخابات، التي تأتي بعد نحو ثلاث سنوات من حرب لا تزال ممتدة، وسياق الانتخابات التي جرت في أعقاب حرب أكتوبر 1973؛ إذ أعقب اندلاع الحرب آنذاك تشكيل لجنة تحقيق رسمية برئاسة شيمون أجرانات بدأت عملها في نوفمبر 1973، فيما أُجريت الانتخابات في ديسمبر من العام نفسه، وأُعيد انتخاب رئيسة الوزراء آنذاك جولدا مائير[2]. وفي المقابل، لم يتكرر هذا المسار في الحالة الراهنة، إذ ماطل الائتلاف الحاكم في تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات السابع من أكتوبر، وسط خلافات سياسية بشأن طبيعتها وتوقيت تشكيلها[3]، بينما استمرت الحرب لنحو ثلاث سنوات، في ظل تمسك رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والائتلاف الحاكم بتحقيق ما وصفوه بالنصر الكامل[4]. وقد جاء ذلك في سياق شهد تراجعًا ملحوظًا في تأييد الحكومة والائتلاف الحاكم في استطلاعات الرأي خلال الفترة التي أعقبت أحداث السابع من أكتوبر[5]. ومن ثم، تمثل الانتخابات المقبلة اختبارًا انتخابيًا مباشرًا لمدى تأثير تقييم الرأي العام الإسرائيلي لأداء الحكومة في إدارة الحرب وتداعياتها، وكذلك لمدى تأثير سردية "النصر" التي تبناها الائتلاف الحاكم في خيارات الناخبين.

أيضًا يُنظر إلى تلك الانتخابات من منظور الاستفهام والترقب أكثر منه التقرير بواقع بعينه، خاصةً أنها تأتي بعد أحداث مفصلية شهدتها إسرائيل وترتبت عليها تداعيات أمنية وسياسية واجتماعية داخلية. ومن ثم، يرتبط التساؤل الأساسي بمدى قدرة هذه التحولات، على امتداد السنوات الثلاث الماضية، على إحداث تغيرات ملموسة في الخريطة السياسية للمشهد الحزبي الإسرائيلي، وانعكاس ذلك في نتائج الانتخابات وتشكيل الحكومة المقبلة، أو ما إذا كانت ستسهم، في المقابل، في تكريس حالة التعبئة اليمينية التي عززها الائتلاف الحكومي على مدار تلك الفترة اعتمادًا على حالة الحرب الناشئة، والتي امتدت إلى جبهات متعددة، مما يجعل خيار إعادة تكليف بنيامين نتنياهو بتشكيل الحكومة خيارًا مطروحًا، أو على أقصى تقدير، يكون التغيير مقتصرًا على أشخاص الائتلاف، مع الإبقاء على سياساته التي تتناغم مع الاتجاه الغالب في الرأي العام الإسرائيلي خلال تلك المرحلة.

فبعد أكثر من عقد هيمن فيه حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو على قيادة معسكر اليمين، تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى حدوث تحولات في الخريطة الحزبية، مع تقدم حزب "يشار" بزعامة غادي آيزنكوت في عدد من الاستطلاعات، وتراجع تمثيل الليكود مقارنة بما كان عليه في مراحل سابقة. كما تظهر بعض الاستطلاعات تقاربًا في حجم الكتل السياسية الرئيسية، بما يجعل حسم نتيجة الانتخابات ومسار تشكيل الحكومة المقبلة مرتبطًا بدرجة كبيرة بأداء الأحزاب والقوائم الصغيرة، ومدى تجاوزها العتبة الانتخابية، وقدرتها على التأثير في توازنات الكتل. ومن ثم، لا تعكس المعطيات الراهنة تحولًا محسومًا في اتجاه الخريطة السياسية بقدر ما تكشف عن انتخابات تجري في ظل قدر أكبر من السيولة وعدم اليقين بشأن شكل الحكومة المقبلة.

الخريطة السياسية للانتخابات: القضايا المُلحة والتحالفات

تخوض الانتخابات 38 قائمة انتخابية، وفقًا لما أعلنته اللجنة المركزية للانتخابات[6]، وتعكس هذه القوائم، من خلال تشكيلاتها وبرامجها الانتخابية، جانبًا من حالة الاستقطاب السياسي والاجتماعي التي تشهدها إسرائيل، سواء فيما يتعلق بالإشكاليات المرتبطة بهوية الدولة وما ينبثق عنها من قضايا خلافية تحظى بأهمية لدى قطاعات واسعة من جمهور الناخبين، خاصة تلك المرتبطة بملف الإصلاح القضائي وحالة الديمقراطية، أو بالقضايا التي فرضت نفسها على أجندة الانتخابات، وفي مقدمتها السياسات الأمنية التي تنتهجها الحكومة في التعامل مع التهديدات الناشئة، ولا سيما في ظل استمرار الحرب التي تشنها على جبهات متعددة منذ اندلاع أحداث السابع من أكتوبر، وما ترتب عليها من تداعيات أمنية وسياسية داخلية، فضلًا عن مسألة تجنيد الحريديم وتقاسم أعباء الخدمة العسكرية، إلى جانب عدد من القضايا الأخرى التي تتداخل مع حسابات الأحزاب بشأن استقطاب الناخبين وحشد التأييد، وتؤثر بدورها في مواقفها تجاه التحالفات والتفاهمات السياسية المحتملة، في ضوء ما يجمع بينها من توجهات ومواقف بشأن القضايا المطروحة. وفيما يلي أبرز هذه القضايا:

 

القضايا المُلحة وتأثيراتها

1- السياسة الأمنية وفشل الردع في السابع من أكتوبر: تبرز هذه القضية في الحملات الانتخابية الراهنة، في إطار توظيف أحزاب المعارضة لإخفاق الائتلاف الحاكم في التعامل مع هجوم السابع من أكتوبر، وما يرتبط بذلك من جدل بشأن المسئولية عن الإخفاقات التي سبقت الهجوم[7]، إلى جانب الجدل حول تشكيل لجنة تحقيق رسمية، وهو ما حظي بتأييد غالبية الجمهور الإسرائيلي؛ إذ أيد 67% من المشاركين في استطلاع رأي أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في يوليو 2024 تشكيل لجنة تحقيق رسمية، فيما بلغ التأييد 56% بين مؤيدي اليمين في العينة اليهودية[8]. وفي هذا الإطار، تصاعد خلال الأيام الماضية الجدل حول ما أوردته صحيفة "هآرتس" في تحقيق استقصائي أفاد بتلقي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تحذيرًا قبل اندلاع الأحداث، دون أن يصل هذا التحذير إلى المؤسسة الأمنية[9].

وتكتسب هذه القضية أهميتها الانتخابية بالنظر إلى مركزية أحداث السابع من أكتوبر في قرارات التصويت لدى قطاعات واسعة من الناخبين الإسرائيليين، وفقًا لما كشفت عنه نتائج استطلاع الرأي الذي أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية خلال الفترة ما بين 31 أغسطس و3 سبتمبر 2026، حيث أفاد 68% من الإسرائيليين اليهود و32% من الإسرائيليين العرب بأن أحداث السابع من أكتوبر تمثل عاملًا مركزيًا في قرارهم بشأن الحزب الذي سيصوتون له[10]. وفي هذا السياق، حظي هذا المحور بأهمية واضحة على أجندة القوائم الانتخابية، خاصة لدى عدد من قادتها من ذوي الخلفية العسكرية، الذين تبرز في مواقفهم تباينات بشأن كيفية التعامل مع المسألة الأمنية.

على سبيل المثال، يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي تحل قائمته في المرتبة الثانية بعد حزب "يشار" الذي يقوده غادي آيزنكوت في غالبية استطلاعات الرأي، حملته الانتخابية بالتأكيد على نهجه الأمني القائم على استمرار الحرب والاحتفاظ بالأراضي التي تم احتلالها في كل من لبنان وسوريا باعتبارها مناطق أمنية عازلة[11]، تعويلًا، على ما يبدو، على أن يسهم ذلك في استعادة مستوى الثقة به لدى ناخبي اليمين، خاصة في ظل اتجاه الرأي العام الإسرائيلي نحو اليمين خلال السنوات الثلاث الماضية، وما يرتبط بذلك من تأييد لدى قطاعات من الناخبين لتبني إسرائيل نهجًا هجوميًا أكثر حزمًا في مواجهة التهديدات[12].

في المقابل، يتحرك غادي آيزنكوت، زعيم حزب "يشار"، الذي يتصدر -حتى الآن- غالبية استطلاعات الرأي، والذي سبق له أن ترأس الجيش الإسرائيلي وكان عضوًا في مجلس الحرب، بحذر في الإفصاح عن رؤيته للسياسة الأمنية خلال حملته الانتخابية. وإن كان بعض المراقبين يرون في نهجه توجهًا أكثر اعتدالًا مقارنةً بنتنياهو[13]، ويستند ذلك بالأساس إلى رؤيته السابقة للسياسة الأمنية، التي تجمع بين الاستعداد لاستخدام قوة عسكرية كبيرة والحذر بشأن ما ينبغي أن يلي العمل العسكري؛ إذ يرى آيزنكوت ضرورة أن تخدم القوة العسكرية هدفًا استراتيجيًا، مفضلًا في الفترات الفاصلة بين الحروب نموذج "الحملة بين الحروب"، مع الحرص على عدم الانجرار إلى حرب شاملة إذا لم تكن تخدم مصلحة إسرائيل[14]. وقد انعكست هذه الرؤية في مواقفه أثناء الحرب، إذ انتقد بشكل واضح استراتيجية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، خاصة فيما يتعلق بالترويج لمفهوم "النصر الحاسم"[15]. ويتقاطع ذلك، بدرجة أو بأخرى، مع ما أكده رئيس حزب "الديمقراطيون" ونائب رئيس الأركان السابق، يائير غولان، الذي عبّر عن نيته الترشح لمنصب وزير الدفاع في الحكومة المقبلة، مؤكدًا أهمية أن تخدم كل خطوة عسكرية هدفًا سياسيًا واضحًا[16]، وإن كان آيزنكوت يرى أن هناك مرشحين أفضل منه لهذا المنصب[17].

وبناءً على هذه المواقف، لا يبدو أن تولي آيزنكوت رئاسة الحكومة، في حال حدوثه، سيقود بالضرورة إلى تغيير جذري في السياسة الأمنية، وإنما قد يتخذ التغيير طابعًا تدريجيًا، مع هامش مرونة أكبر تجاه بعض القضايا الأمنية على الصعيد الإقليمي، خاصة في الملفين السوري واللبناني. ورغم القيود التي قد يفرضها آيزنكوت على شروط أي تسوية سياسية، والتي قد تتأثر أيضًا بالتوجهات الأمريكية، فإنه يدرك أهمية إنهاء المواجهات العسكرية ويفضل ذلك على إبقاء الجبهات مفتوحة إلى أجل غير مسمى، مع السعي إلى الحفاظ على شروط أكثر ملاءمة لأي تسويات محتملة بما يحد من الانتقادات التي قد تواجهها حكومته من جانب المعارضة.

في المقابل، تبرز رؤية زعيم حزب "معًا"، نفتالي بينيت، الذي يأتي في المرتبة الثالثة في استطلاعات الرأي بعد حزبي الليكود ويشار، والذي عبّر بوضوح عن نيته في صياغة السياسة الأمنية بنفسه، مفضلًا نهج المبادرة بالهجوم وتغيير الواقع المحيط، في إطار "عقيدة الأخطبوط" التي روج لها سابقًا[18]. كما أكد رغبته في معالجة ما يعتبره أحد جذور إخفاقات السابع من أكتوبر، خاصة فيما يتعلق بالكيفية التي تصل بها التقييمات الاستخباراتية إلى المستويات السياسية[19].

وفي الاتجاه الأكثر تركيزًا على الحسم العسكري، يتبنى العميد السابق بالجيش أوفير وينتر، زعيم حزب "شعب إسرائيل" – المشكل حديثًا – الذي لا يزال يتأرجح في استطلاعات الرأي حول نسبة الحسم البالغة 3.25%، خطابًا يركز على مفهوم النصر والحسم العسكري، الذي روج له أيضًا رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو طوال فترة الحرب. ويرى وينتر أن أحداث السابع من أكتوبر كانت ثمنًا للاعتقاد السائد بأن أعداء إسرائيل يُمنحون الوقت للتسلح وتعزيز قدراتهم، بينما تسعى إسرائيل إلى كسب فترات من الهدوء، مطالبًا بالانتقال إلى جيش أكثر استباقية وهجومية، ورافضًا الاعتماد على ترتيبات مؤقتة مع المنظمات الإرهابية كبديل عن الحسم العسكري[20].

وهنا تجدر الإشارة إلى أن تباين رؤى قادة الأحزاب بشأن السياسة الأمنية يعكس اختلافًا أوسع في كيفية التعامل مع تداعيات إخفاق السابع من أكتوبر؛ فبينما يؤكد نتنياهو أولوية استمرار الحرب والحفاظ على المبادرة العسكرية، تبرز لدى آيزنكوت، في ضوء مواقفه السابقة، أهمية ربط استخدام القوة بأهداف استراتيجية واضحة والحذر بشأن ما يلي العمل العسكري. وفي المقابل، يعطي بينيت ووينتر أولوية أكبر للمبادرة العسكرية والهجوم وتغيير الواقع الأمني، مع تركيز أكبر لدى وينتر على الحسم العسكري. ويكتسب هذا التباين أهمية انتخابية، في ضوء سعي بعض القيادات المنتمية إلى اليمين الأكثر تشددًا إلى استقطاب قطاعات من الناخبين تتبنى رؤى مماثلة بشأن التعامل مع التهديدات الأمنية، بما يجعل المسألة الأمنية أحد محاور التنافس الانتخابي، وليس مجرد خلاف بين القوائم حول أدوات السياسة الدفاعية.

2- تجنيد الحريديم: تأتي قضية تجنيد الحريديم ضمن القضايا التي اكتسبت أهمية متزايدة في حسابات الناخبين الإسرائيليين، إذ أظهر استطلاع معهد الديمقراطية الإسرائيلي المشار إليه سلفًا أن 27% من المستطلعة آراؤهم اعتبروا موقف الحزب من التجنيد الإجباري أحد العوامل الرئيسية المؤثرة في قرارهم الانتخابي، بعد مواقف الأحزاب من الشئون الخارجية والأمن والاقتصاد[21]. ويتزامن ذلك مع ارتفاع مستويات المعارضة في الرأي العام الإسرائيلي للتشريعات التي تمنح إعفاءً واسعًا لأفراد المجتمع الحريدي من الخدمة العسكرية؛ فقد أظهر استطلاع معهد دراسات الأمن القومي في أكتوبر 2025 أن 68% من الإسرائيليين يعارضون تشريعًا يعفي معظم الحريديم من الخدمة العسكرية[22].

وانعكس هذا الاهتمام في البرامج والمواقف الانتخابية للأحزاب، بدرجات متفاوتة من التشدد، وإن كان هناك قدر واضح من التوافق داخل غالبية قوى المعارضة الرئيسية على رفض الإعفاء الشامل للحريديم والتمسك بمبدأ الخدمة لجميع المواطنين[23]. ويتدرج هذا الموقف من التأكيد على مبدأ الخدمة المتساوية وإنهاء الإعفاء الشامل، كما في حالة «الديمقراطيين»، وإن كان قد أبدى يائير جولان في مرحلة سابقة قدرًا من المرونة بشأن آليات الضغط وإمكان التعامل السياسي مع الأحزاب الحريدية، دون أن يعني ذلك قبولًا بالإعفاء الشامل[24]. إلى مواقف أكثر تشددًا في رفض أي استثناءات أو تسويات يمكن أن تبقي على الإعفاءات، كما يتضح بصورة خاصة في مواقف نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان. فقد أكد بينيت أن حكومته لن تضم أحزابًا حريدية ما لم تقبل بمبدأ الخدمة الشاملة، ورافضًا الصيغة التي طرحها غادي آيزنكوت لإعفاء 3% من كل دفعة[25]، بينما ذهب ليبرمان إلى رفض أي إعفاء، بما في ذلك إعفاء 3% أو حتى شخص واحد، والدعوة إلى تطبيق الخدمة العسكرية أو المدنية على جميع المواطنين[26]. وفي المقابل، يتمسك آيزنكوت بمبدأ «الخدمة للجميع» وإنهاء الإعفاء الشامل، لكنه يقبل استثناء نسبة محدودة تصل إلى 3% من كل دفعة من المتفوقين في مجالات محددة، كما أجرى اتصالات مع قيادات حريدية خلال الأشهر السابقة[27].ولا تعني هذه الصيغة تراجعًا عن مبدأ التجنيد الشامل، وإنما تعكس قدرًا من المرونة في حدود الاستثناءات وآليات التطبيق، وهو ما يفسر جانبًا من التباين بينه وبين بعض حلفائه في المعارضة، كما يفتح في الوقت نفسه مجالًا للتفاوض حول إمكانات التعامل السياسي مع الأحزاب الحريدية[28]، دون أن يعني ذلك بالضرورة قبول مطالبها بشأن الإعفاء الشامل.

ولا يقتصر هذا الاتجاه على معسكر المعارضة، إذ جعل أوفير وينتر، زعيم حزب "عمخا يسرائيل"، إقرار قانون للتجنيد الإجباري شرطًا لانضمام حزبه إلى الحكومة[29]، وبذلك لم تعد القضية مجرد خلاف بين الائتلاف والمعارضة، وإنما أصبحت أيضًا أحد خطوط التباين داخل المعسكرات السياسية نفسها، بما يؤثر في حدود التقارب بينها. ومن ثم، لا يدور الخلاف السياسي حول مبدأ إنهاء الإعفاء الشامل فحسب، وإنما حول مدى التشدد في تطبيقه وحدود الاستثناءات المقبولة، وهي مسألة قد يكون لها أثر مباشر في حدود التقارب السياسي بين القوى المختلفة.

3- إقامة الدولة الفلسطينية وخيار حل الدولتين: تأتي هذه المسألة ضمن المحور الأمني الذي يحظى بأهمية لدى الناخب الإسرائيلي، إلا أن حضورها في النقاش السياسي الإسرائيلي شهد تراجعًا واضحًا، بالتزامن مع انخفاض مستويات تأييد الجمهور الإسرائيلي لخيار حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية خلال السنوات الماضية، حيث عكست نتائج استطلاع للرأي أجراه معهد دراسات الأمن القومي  (INSS)في أكتوبر 2025 أن 57% من الإسرائيليين يعارضون إقامة دولة فلسطينية تحت أي ظرف، مقابل 30% يؤيدون إقامتها "في ظل شروط معينة"، فيما بلغت نسبة المعارضين بين اليهود الإسرائيليين 68%، مقابل 19% يؤيدونها[30]. ويعزز هذا الاتجاه أحدث استطلاع لمركز بيو للأبحاث، المنشور في سبتمبر 2026، إذ أظهر أن 56% من الإسرائيليين لا يرون إمكانية للتعايش السلمي بين إسرائيل ودولة فلسطينية مستقلة، مقابل 17% يرون أن مثل هذا التعايش ممكن[31].

ارتباطًا بهذا السياق، برز تراجع قضية إقامة الدولة الفلسطينية بوصفها خيارًا سياسيًا معلنًا ومركزيًا في برامج معظم الأحزاب الصهيونية الرئيسية المشاركة في الانتخابات، في وقت يبرز فيه رفض إقامة دولة فلسطينية بوصفه اتجاهًا مشتركًا لدى عدد من القوى الرئيسية في الوسط واليمين السياسي، مع التباين بينها بشأن قضايا الاستيطان والضم وشكل إدارة الأراضي الفلسطينية.

فعلى سبيل المثال، تعهد زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت بعدم إقامة دولة فلسطينية في حال فوز حزبه[32]، مؤكدًا أن من لا يزال يؤمن بحل الدولتين بعد هجوم 7 أكتوبر "مصاب بالوهم"[33]. وفي الوقت نفسه، كان أوضح آيزنكوت في السابق أنه لا يتبنى خيار الضم الأحادي الجانب، ويرى في هذا السيناريو خطرًا وجوديًا على الرؤية الصهيونية، خشية أن يؤدي إلى دولة ثنائية القومية، كما انتقد مشروع الاستيطان E1، معتبرًا أنه يضر بالمصالح الإسرائيلية على الساحة الدولية، غير أنه كان يؤكد سابقًا بعدم الحاجة لإخلاء المستوطنات والمزارع القائمة بشكل قانوني، ويدعو إلى بقاء المستوطنات بما يتوافق مع مصالح إسرائيل، مع تشديد معارضته لوجود أي قوة عسكرية أخرى غير الجيش الإسرائيلي بين النهر والبحر[34]. وفي الوقت الراهن، لا يعكس برنامجه الانتخابي رؤية واضحة بشأن استعداده لاتخاذ خطوات عملية لمعالجة هذه الأوضاع، أو بشأن الكيفية التي يمكن أن يتعامل بها مع هذه القضية[35]. خاصة في ظل الواقع الذي رسخه الائتلاف الحكومي الراهن هناك، حيث عمد سموتريتش وشركاؤه إلى نشر مستوطنات جديدة في مواقع ذات أهمية تكتيكية عالية، بهدف متعمد يتمثل في فصل المناطق الخاضعة للسيطرة الفلسطينية وتقويض التواصل الجغرافي الذي يمكن أن يشكل يوماً ما أساساً للدولة الفلسطينية. وليس من الواضح ما إذا كان من الممكن التراجع عن هذا الوضع بسهولة.

وفي اتجاه أكثر وضوحًا، يعارض زعيم حزب "معًا" نفتالي بينيت إقامة دولة فلسطينية، ويرى أن السعي إلى حل الدولتين بصيغته التقليدية يعد طريقٌ نحو كارثة أمنية إسرائيلية[36]، مقترحًا بدلًا من ذلك صيغة تقوم على "خفض حدة الصراع"، تشمل بقاء السيطرة الإسرائيلية على المنطقة (ج)، وحكمًا ذاتيًا مدنيًا فلسطينيًا في المنطقتين (أ) و(ب)، مع استمرار حرية الجيش الإسرائيلي في العمل حيثما يرى ضرورة لذلك[37]. أما زعيم حزب "الديمقراطيين" يائير غولان، فيطرح تصورًا يقوم على الانفصال عن الفلسطينيين في الضفة الغربية، وإخلاء البؤر الاستيطانية وترسيم الحدود[38]، من دون أن يتحول حل الدولتين إلى محور معلن للحملة الانتخابية.

وعلى الرغم من التباين الكبير بين معسكري المعارضة والائتلاف في قضايا الاستيطان والضم ومستقبل الأراضي الفلسطينية، يلتقي عدد من القوى في المعسكرين في رفض إقامة دولة فلسطينية في الظروف الراهنة، وإن اختلفت تصوراتها بشأن البديل؛ إذ تؤيد بعض قوى الائتلاف ضم الضفة الغربية بصورة كاملة، بينما تتبنى قوى أخرى مواقف أكثر توسعًا تشمل ضم قطاع غزة، عبر دعم مخططات تهجير الفلسطينيين، إلى جانب دعم استمرار التوسع الاستيطاني[39]. وفي المقابل، تطرح قوى في المعارضة بدائل تتراوح بين إدارة الصراع والانفصال، مع اختلافها في مدى استعدادها لتقديم ترتيبات سياسية مستقبلية للفلسطينيين.

وفي هذا السياق، كان لافتًا الجدل الذي أثارته تصريحات زعيم "القائمة العربية الموحدة" منصور عباس، التي دعا فيها إلى اعتراف إسرائيل بدولة فلسطينية مستقلة، والتي كشفت عن حساسية طرح هذا الخيار داخل المنافسة الانتخابية؛ إذ سارع كل من آيزنكوت ونتنياهو إلى مهاجمة التصريحات[40]، وإن اختلفت دوافعهما السياسية في توظيفها. وتكتسب هذه الواقعة أهمية إضافية في ضوء احتمال لعب الأحزاب العربية دورًا في تشكيل الأغلبية البرلمانية، بما يجعل الموقف من الدولة الفلسطينية ليس مجرد قضية تتعلق بتسوية الصراع، وإنما أيضًا أحد العوامل التي يمكن أن تتقاطع مع حسابات تشكيل الائتلافات الحكومية المقبلة.

4- الصراع ضد إيران: تندرج هذه المسألة ضمن القضايا الحيوية في المحور الأمني، وتحظى بأهمية لدى الناخب الإسرائيلي[41]، خاصة في ظل انتقال المواجهة مع إيران إلى جولات من الصدام العسكري المباشر منذ يونيو 2025، وما ترتب عليها من تداعيات أمنية وسياسية وإقليمية. إلا أن الحرب لم تفرز انقسامًا انتخابيًا واضحًا بين قوى تؤيد المواجهة وأخرى ترفضها؛ إذ أيدت غالبية القوى السياسية الرئيسية، بما فيها قوى معارضة لحكومة بنيامين نتنياهو، العمل العسكري ضد إيران من حيث المبدأ، مع اختلافها في تقييم إدارة الحرب وأهدافها ونتائجها[42]. ولم يتجه الخطاب الانتخابي للمعارضة إلى طرح إنهاء المواجهة مع إيران بوصفه بديلًا سياسيًا عن النهج الأمني القائم، بل تشير التغطيات خلال الحملة إلى استمرار تبني معظم القوى الرئيسية خطابًا أمنيًا متشددًا تجاه التهديد الإيراني، وقد انعكس ذلك في انتقادات عدد من قوى المعارضة لمذكرة التفاهم التي توصلت إليها واشنطن مع طهران في يونيو 2026 لوقف إطلاق النار مؤقتًا[43]. وقد حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تخفيف آثار هذه الانتقادات، عبر التأكيد على استقلالية القرار الإسرائيلي في القضايا المتعلقة بالأمن القومي عن الإدارة الأمريكية، من خلال التشديد على استمرار حرية العمل العسكري الإسرائيلي، ولا سيما في الجبهة اللبنانية. ومن ثم، يتركز التباين الانتخابي بدرجة أكبر حول كيفية إدارة التهديد الإيراني، وحدود العمل العسكري، وتقييم نتائج الحرب ومدى تحقيق أهدافها، ومستقبل المواجهة، فضلًا عن طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة ودورها في إدارة الصراع الإقليمي.

5- العلاقات الخارجية والعزلة الدولية: تحتل الشئون الخارجية والأمن موقعًا مهمًا في حسابات الناخبين الإسرائيليين، وإن اختلف وزنها باختلاف التوجهات السياسية؛ فقد أظهر استطلاع أجراه معهد الديمقراطية الإسرائيلي في الفترة بين 31 أغسطس و3 سبتمبر 2026 أن 39% من اليهود الإسرائيليين يعدّون موقف الحزب من الشئون الخارجية والأمن أحد العاملين الأكثر تأثيرًا في قرارهم الانتخابي، فيما اعتبر 55% منهم أن العلاقات الإسرائيلية–الأمريكية عامل مهم عند تحديد الحزب الذي سيصوتون له[44]. إلا أن القضايا المرتبطة بالعزلة والضغوط الدولية لا تبدو من الموضوعات التي تتصدر البرامج الانتخابية بالدرجة نفسها التي تحظى بها القضايا الأمنية والسياسية الداخلية[45]. ومع ذلك، يحضر البعد الدولي بصورة محدودة في بعض البرامج، فقد طرح حزب "عمخا يسرائيل"، بقيادة أوفير وينتر، إعادة وزارة الدبلوماسية العامة وتوسيع دورها ومواردها بهدف تعزيز قدرة إسرائيل على التعامل مع صورتها الدولية والدفاع عن سياساتها في مواجهة الانتقادات الخارجية[46].

وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر بوصفها عاملًا يمكن أن يؤثر في هامش الخيارات المتاحة أمام الحكومة المقبلة، خاصة مع استمرار الإجراءات الدولية ضد جهات وأفراد إسرائيليين على خلفية الانتهاكات في الضفة الغربية، واتساع الانتقادات للتوسع الاستيطاني. وقد يتيح ذلك لبعض قوى المعارضة تبني مواقف أكثر تحفظًا في قضايا محددة، ليس بالضرورة نتيجة تحول في مواقفها الأساسية تجاه الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني، وإنما للحد من الكلفة الدولية لبعض السياسات والحفاظ على هامش أوسع للمناورة في العلاقات مع الحلفاء.

ويبرز الجدل حول خطة التوسع الاستيطاني في منطقة E1 مثالًا على ذلك؛ فعلى الرغم من رفض غادي آيزنكوت لحل الدولتين واعتباره غير واقعي، فإنه انتقد خطة E1 واعتبرها "خطأ" لما قد تترتب عليها من تداعيات على المصالح الإسرائيلية على الساحة الدولية[47]. ويشير ذلك إلى إمكانية تبني مواقف أكثر تحفظًا تجاه بعض الإجراءات الاستيطانية دون أن يعني ذلك تبني تصور سياسي قائم على إقامة دولة فلسطينية، بما يجعل الضغوط الدولية أحد العوامل التي قد تؤثر في حدود المواقف التي تتبناها القوى السياسية، ولا سيما عندما تتقاطع مع اعتبارات الأمن والعلاقة مع الولايات المتحدة.

 

Developed by MONGID | Software House™