تابعونا
النزاهة من اسمى المبادئ التي يتوجب على كل عسكري الالتزام بها تحقيقاً للمصلحة العامة للدولة الفلسطينية، لتكون فوق أي مصلحة شخصية بما يقتضيه ذلك من الامتناع عن استخدام الصلاحيات الممنوحة للعسكري،من اجل تحقيق مصالح شخصية
الرئيسة/  زوايا

الرئيس بين منطق القوة وقوة المنطق


الرئيس بين منطق القوة وقوة المنطق

قراءة تحليلية في مقال "فلسفة الصبر وإستراتيجية قوة المنطق في مواجهة منطق القوة".

كتب أحمد عمرو

مدير عام الإعلام والتعبئة الفكرية

يقدّم سيادة اللواء أنور رجب في مقاله “فلسفة الصبر وإستراتيجية قوة المنطق في مواجهة منطق القوة” المنشور في جريدة الحياة الجديدة بتاريخ 25 أيلول 2025. قراءة تحليلية لخيار فخامة السيد الرئيس محمود عباس، بوصفه مساراً استراتيجياً متجذراً في التاريخ الوطني لا مجرد خيار ظرفي. المقال يوضح أن هذا النهج السياسي والدبلوماسي هو امتداد للنضال الفلسطيني بأدوات جديدة، دفاعاً عن الثوابت الوطنية، وتحصيناً للمجتمع من معارك بلا أفق، مستنداً إلى صبر استراتيجي ورؤية أخلاقية تسعى لتكريس حضور فلسطين في الوعي الدولي. ومن منظور مهني وسياسي، يتضح أن الكاتب لم يكتف بعرض رأي، بل سعى إلى تقديم رؤية شاملة لمسار طويل من النضال الوطني.

في هذا الإطار، تبرز قوة الطرح وسياقه التاريخي، حيث نجح المقال في ربط نهج السيد الرئيس محمود عباس بامتداد نضالي لم ينقطع، موضحاً أن الخيار السياسي لم يكن نتيجة ضعف أو استسلام، بل تعبير عن قراءة دقيقة لموازين القوى الدولية وإدراك لتغير طبيعة الصراع. والإشارة إلى مطالبة بريطانيا بالاعتذار عن وعد بلفور، وإلى التوجه للأمم المتحدة عام 2016، تعكس أن المسار لم يكن عشوائياً أو رد فعل عابر، بل مساراً متدرجاً ومنظماً يضيف مصداقية للرؤية التي طرحها الكاتب ويجعلها امتداداً للذاكرة الوطنية.

ومن هنا يصبح من الطبيعي الانتقال إلى إعادة تعريف أدوات النضال، حيث أعاد المقال صياغة مفهوم النضال الوطني بحيث لا يقتصر على الكفاح المسلح، بل يشمل النضال السياسي والدبلوماسي كسلاح استراتيجي. هذه النقلة الفكرية لا تقلل من قيمة المواجهة الميدانية، لكنها تثبت أن "المواجهة السياسية" لا تقل شراسة عنها، وربما تكون أكثر فاعلية في تحقيق إنجازات تراكمية على المدى الطويل، وهو ما يضع خيار القيادة في إطار رؤية شاملة تتعامل مع تعدد ميادين الصراع.

غير أن قوة الطرح لا تقف عند إعادة تعريف الأدوات، بل تمتد إلى تفكيك الاتهامات الداخلية والخارجية التي واجهت هذا النهج. فقد أجاد الكاتب الدفاع عن خيار السيد الرئيس أمام اتهامات الخصوم، سواء الإسرائيلية التي تصفه "عدواً للسلام"، أو من بعض القوى الفلسطينية التي رأت في هذا الخيار تفريطاً. وتأتي أهمية هذا التفكيك من كونه يوضح أن التمسك بالثوابت لا يعني الجمود، بقدر ما يعكس محاولة ذكية لتحويل أدوات القوة لصالح القضية. بذلك تتحول الردود إلى حجج، وتتحول الحجج إلى بناء منطقي يرسخ صوابية الخيار السياسي.

ويستمد المقال قوة إضافية من توظيف اللحظة السياسية الراهنة، حيث استثمر الكاتب التطورات الأخيرة مثل اعتراف بريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا بدولة فلسطين ليؤكد صوابية هذا المسار. الربط بين الماضي والحاضر هنا لا يقدم مجرد تسلسل تاريخي، بل يمنح المقال بعداً استشرافياً، إذ يظهر أن ما كان ينظر إليه في الأمس كخيار مؤجل أو غير مضمون النتائج، بات اليوم يحصد ثماراً ملموسة على الساحة الدولية.

ولعل ما يمنح النص بعده الأكثر تأثيراً هو إدراجه للبعد الأخلاقي والإنساني. فقد أبرز رجب أن الرئيس اختار ما يحفظ دم الشعب ويقيه من الزج في "معارك لا أفق لها". وهنا يتجاوز الخيار السياسي كونه أداة للمناورة إلى كونه موقفاً أخلاقياً، يضع حماية المجتمع الفلسطيني فوق الحسابات اللحظية، ويجعل من القيادة طرفاً مسؤولاً لا يكتفي بالشعارات بل يتحمل أثمان القرارات الصعبة.

بهذا التسلسل الذي يجمع بين قوة الطرح التاريخي، وإعادة تعريف النضال، وتفكيك الاتهامات، وتوظيف اللحظة الراهنة، وإبراز البعد الأخلاقي، يقدم سيادة اللواء أنور رجب نصاً تحليلياً يؤكد أن خيار السيد الرئيس محمود عباس لم يكن استسلاماً ولا هروباً، بل استراتيجية واعية تستند إلى فلسفة الصبر وقوة المنطق في مواجهة منطق القوة.

Developed by MONGID | Software House