نحو جامعة ذكية ... فكرٌ يبتكر ووطنٌ يزدهر
اليوم
بقلم: أ. د. إبراهيم الشاعر رئيس جامعة القدس المفتوحة
أعتقد أنه لم يعد السؤال الأهم في التعليم العالي الفلسطيني في هذه المرحلة: كم جامعة لدينا؟ وكم طالباً نقبل أو نخرج؟ بل: أي إنسان نريد أن نبني؟ وأي مجتمع نريد أن نطور؟ ففي عصر الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، لم تعد قيمة الجامعة العصرية تقاس بشهاداتها ولا بمبانيها، بل بقوة الإنسان الذي تصنعه؛ إنسانٍ يمتلك رؤية واضحة وفلسفة راسخة وفكر حر، يتعلم باستمرار، ويبدع، ويتكيف، وينتج، وينافس، ويحول المعرفة إلى مهارة، والمهارة إلى قدرة، والقدرة إلى فرصة مؤثرة في الحياة.
ولهذا، من المهم التأكيد على أن التنمية الحقيقية لا تبدأ من الأبنية ولا من الأجهزة، بل من الإنسان نفسه، وأي استثمار في التعليم هو في جوهره استثمار في العقل والمهارة والقيم والقدرة على خلق الفرص وتسهيل الحياة وتحقيق السعادة. وهذا يعني أن مهمة الجامعة لم تعد اليوم مجرد نقل المعرفة بل تفجير الطاقات الكامنة، وتحويل الطالب من متلقٍ للمعلومة إلى باحث عنها وشريك في صناعتها، ومن طالب وظيفة إلى صانع فرصة، ومن مستهلك للتكنولوجيا إلى قادر على إنتاجها وتوظيفها.
ولا يخفى على أحد اليوم بأن العالم يتطور بسرعة تفوق حدود المناهج التقليدية وقدرتها على اللحاق به ... مهن تقليدية تختفي وأخرى عصرية تولد، والذكاء الاصطناعي يعيد تعريف المعرفة والعمل والإنتاج. وفي هذا التحول، لا يكفي أن نُقدم للطالب ما هو متاح بيسر اليوم عبر وسائل التكنولوجيا، بل يتعين أن نؤهله لما هو مرتبط بمتطلبات المستقبل.
ومن هنا، فإن التحول إلى الجامعة الذكية ليس مجرد مشروع تقني بسيط، بل هو مشروع تنموي وإنساني شامل متكامل ومعقد، فالجامعة الذكية تستخدم البيانات والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا لتحسين التعلم، لكنها يفترض في الوقت ذاته أن تعزز ما تعجز الآلة عن تقديمه مثل حساسية المشاعر والقيم، والوعي، والخيال، والحكمة، والمسؤولية، والقدرة على اتخاذ القرار.
أعتقد أن نجاح أية جامعة في الحاضر والمستقبل مرهون بقدرتها على اعتماد نمط تعليمي يوازن بين الإنسان والآلة، وحجم المعرفة وأثر المهارة، وقوة التكنولوجيا وأخلاقية القيم، وخصوصية الهوية ورحابة الانفتاح على العالم، وواهم من يعتقد أن التنمية الحقيقية يمكن أن تتحقق بتخريج أعداد أكبر، أو بناء جامعات أكثر، وإنما بإعداد خريجين أكثر قدرة على العطاء والعمل والإنتاج والتجدد. وهذا يتطلب إعادة تصميم البرامج الأكاديمية لتستجيب لاحتياجات الاقتصاد وسوق العمل، وتعزيز التعليم التقني والمهني، وريادة الأعمال، والمهارات الرقمية واللغوية والناعمة. لذلك، من المهم أن تسأل الجامعة العصرية نفسها دائما: هل نُخرّج من يستطيع العثور على وظيفة فقط، أم من هو قادر على أن يخلق فرصة ريادية لنفسه ولغيره؟
من المنطق أن نقول بأن بناء الإنسان السوي يتطلب أيضاً بناء شخصيته بشكل متكامل ومتوازن. أؤمن بشدة بأن الجامعة التي يقتصر تعليم طلابها على استخدام التكنولوجيا، مثلا، دون الاهتمام بتدريبه على تحمل المسؤولية، هي لم تستكمل رسالتها، والجامعة التي تمنح الطالب المعرفة دون إكسابه مهارة التفكير النقدي، هي مقصرة في استكمال مهمتها. لا شك بأن التنمية الحقيقية تحتاج إلى خريج يمتلك المعرفة، لكنه بحاجة أيضاً إلى امتلاك النزاهة، وإتقان توظيف التكنولوجيا، ليدرك أثرها الإنساني والاجتماعي، ولينافس عالمياً، دون أن يفقد ارتباطه بهويته الوطنية والتزامه بقضايا مجتمعه.
وفي فلسطين، تكتسب هذه الرسالة بعداً أعمق؛ فالتعليم ليس مجرد حق، بل أداة للتحرر والتنمية والصمود. وفي ظل الاحتلال والقيود الاقتصادية والجغرافية، تمثل المعرفة أحد أهم أشكال الصمود والقوة الوطنية، ويكون الاستثمار في الإنسان أكثر الموارد أهمية واستدامة.
صحيح أن التحول الرقمي يفتح أمامنا فرص ثمينة لتجاوز الحدود والقيود، والتفاعل مع المعرفة العالمية، وربط الطالب الفلسطيني بالخبرات والأسواق والمؤسسات العالمية المتنوعة. لكنه يفرض علينا أيضاً مسؤولية ألا نغرق في دائرة الاستهلاك المفرط للتكنولوجيا وغيرها، بل يتعين علينا أن نسعى جاهدين لنكون شركاء في إنتاج المعرفة والابتكار والاستفادة من الاقتصاد الرقمي.
ولهذا، فإن المستقبل يحتاج إلى جامعة ذكية تكون أكثر استجابة لاحتياجات المجتمع والاقتصاد، وجامعة تتكامل مع القطاع الخاص، وتحتضن الأفكار والمشروعات، وتدعم البحث التطبيقي، وتبني شراكات عالمية، وتحوّل المعرفة إلى حلول لمشكلات الناس والمجتمعات. فالجامعة التي تعمل بمعزل عن المجتمع هي جسد بلا روح؛ يجب ان تكون أحد محركات تنميته وروافع نهضته، وكلما التصقت الجامعة بهموم مجتمعها ازدادت قدرتها على التأثير فيه، وكلما ارتبط البحث العلمي بحل المشكلات وبالإنتاج والتنمية تحولت المعرفة من أوراق منشورة إلى قيمة اقتصادية واجتماعية وفرص حقيقية في الحياة.
واضح أننا بحاجة إلى الانتقال من جامعة تُلقن إلى جامعة تبني وتُنمّي، ومن جامعة تمنح شهادة إلى جامعة تصنع إنساناً، ومن جامعة تنتظر سوق العمل إلى جامعة تشارك في تشكيله، ومن جامعة تستخدم التكنولوجيا إلى جامعة تنتج المعرفة والابتكار.
فالمستقبل لن يكون للأكثر عدداً بل للأكثر قدرة على التعلم والتكيف والإبداع، ولن يكون للشعوب التي تملك الموارد فقط، بل للأمم التي تعرف كيف تبني الإنسان القادر على ترجمة الفكرة إلى إجراء وتحويل المعرفة إلى مهارة، والمهارة إلى قدرة، والقدرة إلى مشروع، والتحدي إلى فرصة. وبهذا يكون بناء الانسان المتمكن القوي هو أعظم مشروع تنموي يمكن أن تتبناه فلسطين التي ترزح تحت الاحتلال والحصار. ومن هنا يتعين أن تبدأ مسؤولية التعليم العالي الفلسطيني لتدرب عقلاً يفكر، ولتبني إنساناً يمتلك القيم، ومواطناً يحمل المسؤولية، وحرفياً يمتلك المهارة، وريادياً يصنع الفرص، وباحثاً يحول المعرفة إلى حلول.
خلاصة الأمر، الجامعة التي ننشد ليست جامعة تقليدية منغلقة، ولا جامعة مترددة مرتبكة في خضم تناقضات الحاضر وخباياه، بل جامعة واضحة في رؤيتها، واثقة من رسالتها، حرةٌ في تفكيرها، مبدعةٌ في أدائها وإنتاجها، ومع كل ذلك أن تكون راسخةٌ في فلسفتها، لأن الفلسفة الراسخة تمنح الفكر حريته، والذي بدوره يفتح باب الإبداع، ورغم كل ما نقول، ما زالت للشهادة الجامعية قيمة، لكن القيمة الأهم هي في الإنسان الذي يستطيع توظيفها، وفي قدرته على تحويل ما اكتسب من معارف ومهارات وقدرات إلى أثر وإنجاز وعطاء.