سقوط النخب
اليوم
كتب:عصمت منصور
إلى جانب ارتقاء عشرات الآلاف من الضحايا بين شهيد وجريح ومفقود، وإلى جانب الثكل وفقدان الممتلكات ومصادر الرزق والتشرد واليتم، وكل مظاهر الفتك والمعاناة التي عاشها شعبنا خلال حرب قاسية ومدمرة، هناك خسارة أخرى لا تقل أهمية، وإن كانت أقل ظهورًا وأقل حضورًا في النقاش العام. إنها خسارة المجال العام نفسه: تراجع الرقابة، وضعف الحس النقدي، وتسميم أجواء الحوار، وتراجع القدرة على الاختلاف الخلاق، وتشرذم المجتمع، وغياب المبادرة والرؤية البعيدة عن الحسابات الشخصية والفئوية والحزبية.
الحروب لا تقاس خسائرها بعدد الضحايا والبيوت المدمرة فقط. فهي تترك، إلى جانب الركام المادي، آثارًا عميقة في بنية المجتمع وفي قدرته على التفكير في مستقبله. وربما كان أخطر ما أصابنا خلال هذه الحرب أن صوت العقل والنقد أصبح في أحيان كثيرة أضعف من صوت التعبئة، وأن السؤال عن المسؤولية والخيارات والبدائل أصبح يُنظر إليه، في بعض الأوساط، باعتباره ترفًا أو تشكيكًا أو خروجًا عن الإجماع.
لقد سقطت النخب الفلسطينية في اختبار الشجاعة والقدرة على مواجهة التيار الشعبوي الجارف الذي نظر الى الحرب من منظور ضيق واني دون حسابات عميقة، واستسلمت معظم هذه النخب للخطاب اللحظي والاحادي او وقفت على الجانب النقيض او اكتفت بالصمت.
والحال أن المجتمعات التي تمر بمحن كبرى تحتاج، أكثر من أي وقت آخر، إلى النخب السياسية والفكرية والاجتماعية والثقافية القادرة على طرح الأسئلة الصعبة، حتى عندما تكون الإجابات مؤلمة. فوظيفة النخب ليست فقط الدفاع عن المجتمع في لحظات الخطر، وإنما أيضًا مساعدته على فهم ما جرى، وتحديد المسؤوليات، وتصحيح المسار، وفتح الطريق أمام خيارات أكثر عقلانية وأقل كلفة.
من هذه الزاوية، تبدو الحرب الأخيرة اختبارًا قاسيًا للنخب الفلسطينية بمختلف مواقعها واتجاهاتها. ولم يكن الاختبار متعلقًا فقط بمواقفها من الحرب أو من أطرافها، وإنما بقدرتها على ممارسة دورها الطبيعي: مراقبة السلطة، مساءلة أصحاب القرار، حماية مساحة النقاش، تقديم البدائل، والدفاع عن حق الناس في معرفة الحقيقة وفي طرح الأسئلة، مهما كانت محرجة.
في سياق سعيها للحفاظ على تماسك جمهورها ومنع تفكك خطابها السياسي، لم تكن حركة حماس، ومعها قطاعات من البيئة السياسية والإعلامية المحيطة بها، مستعدة دائمًا لفتح نقاش واسع حول الخيارات التي سبقت الحرب، أو حول مسار إدارتها وتداعياتها، أو حول العلاقة بين القرار السياسي والعسكري وبين النتائج التي تحمل المجتمع تبعاتها. وفي ظل أجواء الحرب، أصبح من السهل أن يطغى خطاب التعبئة والمواجهة على أي خطاب آخر، وأن تتراجع المساحة المتاحة للنقد والمراجعة.
لكن المشكلة لا تتوقف عند حماس، ولا يمكن اختزالها فيها. فالمسؤولية عن ضعف المجال النقدي الفلسطيني أوسع من طرف سياسي واحد. هناك قوى سياسية أخرى لم تنجح، هي أيضًا، في تقديم نموذج مقنع للنقد المسؤول أو البديل السياسي. وهناك نخب أكاديمية وإعلامية وثقافية واجتماعية فضّلت، في أحيان كثيرة، الصمت أو الاصطفاف على الانخراط في نقاش صعب ومعقد. وهناك مؤسسات ومراكز قوى اعتادت النظر إلى الخلاف باعتباره طعنا في ظهر المقاومة، وان الحرب تستدعي تأجيل الاسئلة والاكتفاء بالتصفيق الحاد للخطاب الحزبي وتعميمه على انه هو الممثل لارادة الشعب وتطلعاته في هذه المرحلة.، بدل اعتباره وسيلة لتحسين القرار وتقليص عمر الحرب وحماية المكتسبات التاريخية التي راكمتها ثورتنا.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى. ففي الوقت الذي كان فيه المجتمع الفلسطيني يدفع ثمنًا هائلًا، كان جزء من الخطاب العام ينشغل بتسجيل النقاط السياسية، وتحديد من انتصر ومن خسر، ومن يملك الرواية الأفضل، بدل السؤال الأكثر أهمية: كيف يمكن تقليل الخسائر؟ وكيف يمكن إنهاء الحرب؟ وكيف يمكن حماية ما تبقى من المجتمع؟ وكيف نمنع تكرار الكارثة؟
ليس المقصود من النقد هنا تحميل طرف واحد مسؤولية الحرب أو تجاهل السياق السياسي والعسكري الذي نشأت فيه، ولا التقليل من حجم العدوان والمعاناة التي تعرض لها الفلسطينيون. بل على العكس، فإن الدفاع عن المجتمع وحقوقه يتطلب القدرة على النظر إلى الصورة كاملة، بما فيها مسؤولية الخصم، ومسؤولية صاحب القرار، ومسؤولية النخب التي كان يفترض أن تساعد الناس على فهم ما يحدث.
النقد في زمن الحرب ليس خيانة، كما أن المراجعة ليست تخليًا عن القضية. بل ربما تكون المراجعة، في مثل هذه الظروف، أحد أشكال الدفاع عنها. فالمجتمع الذي لا يستطيع مساءلة قياداته، ولا يستطيع مراجعة قراراته، ولا يتيح لأفراده التعبير عن مخاوفهم وأسئلتهم، يصبح أكثر عرضة لتكرار الأخطاء نفسها.
ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين نقد المقاومة أو السلطة أو أي فصيل سياسي، وبين استهداف القضية الوطنية نفسها. لا ينبغي أن تكون هناك مساواة بين من يطرح سؤالًا حول جدوى قرار سياسي أو عسكري وبين من يتبنى موقفًا معاديًا للحقوق الوطنية. الخلط بين الأمرين يضيّق المجال العام، ويجعل الخلاف السياسي يبدو وكأنه خلاف على الوطنية ذاتها.
لقد أنتجت سنوات الانقسام الفلسطيني بيئة سياسية ضعفت فيها المؤسسات الجامعة، وتراجعت فيها ثقافة المساءلة، وأصبح لكل طرف جمهوره وخطابه ومصادر معلوماته. ومع الحرب، تعمقت هذه الظاهرة. صار المجتمع أكثر استقطابًا، وأصبح كثيرون يتلقون الأخبار والتحليلات من مصادر تتوافق مسبقًا مع مواقفهم. وهكذا لم يعد النقاش يدور دائمًا حول الحقيقة أو أفضل الخيارات، بل حول حماية الرواية التي ينتمي إليها كل طرف.
وهذا يقودنا إلى قضية أعمق: ماذا بقي من النخب؟
النخبة ليست لقبًا اجتماعيًا ولا منصبًا سياسيًا ولا حضورًا إعلاميًا. النخبة، في جوهرها، هي قدرة على تحمل مسؤولية أكبر من المصلحة الخاصة، وعلى قول ما يجب قوله عندما يكون قوله مكلفًا. وهي القدرة على النظر إلى أبعد من اللحظة، وعلى مقاومة ضغط الجمهور عندما يكون ضغطه مدفوعًا بالغضب أو الخوف، وعلى حماية المصلحة العامة حتى عندما تتعارض مع مصالح الحزب أو الجماعة أو الشخص.
بهذا المعنى، فإن سقوط النخب لا يعني اختفاء المثقفين أو السياسيين أو الأكاديميين أو الإعلاميين. هؤلاء ما زالوا موجودين، وربما أكثر حضورًا من أي وقت مضى. لكن ما تراجع هو الدور الذي يفترض أن تؤديه النخبة: دور الوسيط بين المجتمع والسلطة، ودور الضمير النقدي، ودور المنتج للأفكار والبدائل.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الحرب هو أن نعود إلى الطريقة نفسها في التفكير والعمل، وكأن ما حدث مجرد مرحلة عابرة. فالخروج من الحرب لا ينبغي أن يعني فقط إعادة إعمار البيوت والبنية التحتية، وإنما أيضًا إعادة بناء المجال السياسي والاجتماعي الفلسطيني. وهذا يتطلب استعادة قيمة الحوار، وإعادة الاعتبار للاختلاف، وفتح نقاش جدي حول إدارة الشأن العام، وحول علاقة السلطة بالمجتمع، وحول مفهوم المسؤولية السياسية، وحول الخيارات الوطنية المقبلة.
نحن بحاجة إلى نخب لا تخاف من طرح الأسئلة، ولا تخشى مراجعة الماضي، ولا تعتبر الاعتراف بالخطأ هزيمة. نحتاج إلى سياسيين قادرين على التفكير خارج حدود التنظيم، وأكاديميين لا يتحولون إلى أبواق، وإعلاميين يميزون بين الخبر والدعاية، ومثقفين يستطيعون الجمع بين الانتماء الوطني والقدرة على النقد، وقيادات اجتماعية تضع مصالح الناس قبل مصالح القوى المتنافسة.
فالشعوب لا تحمي مستقبلها بالسلاح أو بالشعارات وحدها. إنها تحميه أيضًا بقدرتها على التعلم من أخطائها، وعلى إنتاج معرفة حقيقية بما جرى، وعلى تطوير مؤسساتها وآليات اتخاذ القرار فيها.
ولذلك فإن المعركة المقبلة، بعد توقف الحرب، يجب ألا تكون فقط معركة إعادة إعمار ما دمرته الحرب، بل أيضًا معركة إعادة إعمار الثقة والعقل السياسي والمجال العام. وهذا يبدأ بالاعتراف بأن لدينا مشكلة حقيقية في بنية النخبة وفي علاقتها بالمجتمع، وأن استمرار الانقسام، وإقصاء المختلف، وتقديس الخيارات السابقة، وتحويل النقد إلى تهمة، كلها ممارسات لا يمكن أن تنتج مستقبلًا مختلفًا.
ربما تكون هذه إحدى أهم الخسائر غير المرئية التي كشفت عنها الحرب: أننا لم نخسر فقط بيوتًا وأرواحًا وممتلكات، بل خسرنا أيضًا جزءًا من قدرتنا على الحوار والتفكير المشترك