تابعونا
النزاهة من اسمى المبادئ التي يتوجب على كل عسكري الالتزام بها تحقيقاً للمصلحة العامة للدولة الفلسطينية، لتكون فوق أي مصلحة شخصية بما يقتضيه ذلك من الامتناع عن استخدام الصلاحيات الممنوحة للعسكري،من اجل تحقيق مصالح شخصية
الرئيسة/  مقالات وآراء

عميرة هاس: لم يعد السؤال حل الدولتين.. السؤال هل يبقى الفلسطينيون؟

اليوم
شارك الموضوع

 

قراءة في الحرب والاستيطان والقيود التي تعيد تشكيل شروط الحياة الفلسطينية

 

إعداد - الإدارة العامة للإعلام- تطرح الصحافية الإسرائيلية عميرة هاس في مقالها المنشور في صحيفة " هآرتس" بعنوان " انسوا حل الدولتين، اسرائيل تستعد لطرد الفسطينيين" قراءة شديدة القلق لمستقبل الفلسطينيين، وترى أن النقاش حول حل الدولتين أو الدولة الواحدة قد أصبح يتأخر عن سؤال أكثر إلحاحا هل سيتمكن الفلسطينيون من البقاء في أرضهم؟ وتذهب هاس إلى أن إسرائيل تعمل عبر الحرب والاستيطان والقيود العسكرية والاقتصادية، إلى جانب خطاب سياسي وأيديولوجي متصاعد، على إنتاج واقع يجعل التهجير احتمالا قائما، حتى من دون صدور قرار واحد معلن بهذا المعنى.

وتبني هاس حجتها على فكرة أساسية وهي أن التهجير لا يبدأ بالضرورة لحظة عبور الناس الحدود، فقد يبدأ قبل ذلك حين تصبح الحياة اليومية في المكان المستهدف أكثر صعوبة وتتراجع قدرة السكان على العمل والسكن والزراعة والتنقل وإعادة بناء ما دمرته الحرب.

ومن هذه الزاوية، لا تتعامل هاس مع الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة كوقائع منفصلة لكنها تراها أجزاء من مسار واحد يؤدي إلى إضعاف شروط البقاء الفلسطيني.

من إدارة الصراع إلى تغيير شروط الحياة

في الضفة الغربية تشير هاس إلى القيود المفروضة على الحركة والوصول إلى الأراضي وتقييد النشاط الاقتصادي واقتطاع أموال السلطة الفلسطينية وهدم المنازل والعمليات العسكرية إلى جانب اعتداءات المستوطنين.

وتكتسب هذه الممارسات خطورتها وفق قراءة هاس من تراكمها. فكل إجراء يضيف ضغطا جديدا على حياة الفلسطينيين ومع استمرار الضغط تتقلص قدرة السكان على الصمود في مناطقهم.

وبهذا تنتقل هاس من الحديث عن الاحتلال والسيطرة إلى مفهوم أوسع هو المحو، والمقصود ليس فقط إزالة المباني أو تدمير البنية التحتية وإنما إضعاف الشروط التي تسمح لمجتمع كامل بمواصلة حياته.

وترى أن جعل الحياة غير قابلة للاستمرار يمكن أن يقود إلى نتيجة شبيهة بالطرد المباشر، فيغادر الناس لأنهم لم يعودوا قادرين على العيش ثم يمكن تقديم مغادرتهم باعتبارها قرارا شخصيا.

 

غزة: تدمير المكان وشروط العودة

تضع هاس قطاع غزة في مستوى أكثر خطورة بسبب حجم الدمار الذي طال المساكن والبنية التحتية والاقتصاد ومصادر الدخل.

فالحرب، وفق تصورها، لم تدمر المباني فقط. لقد ضربت أيضا الممتلكات والمدخرات والمهن ومصادر الرزق وأضعفت قدرة المجتمع على إعادة إنتاج حياته بعد توقف القتال.

وهذا التفصيل مهم في بناء حجتها، فالتهجير لا يحتاج دائما إلى أمر مباشر، يكفي أحيانا أن تصبح العودة إلى المكان مستحيلة أو أن تصبح إعادة بناء الحياة فيه فوق قدرة السكان.

ومن هنا ترى هاس أن استمرار الدمار قد يتحول إلى وسيلة لإعادة تشكيل الخريطة السكانية، خصوصا عندما يقترن بمنع إعادة الإعمار أو بتقييد شروط العودة والاستقرار.

إعداد المجتمع لفكرة الطرد

يركز المقال على جانب يتجاوز القرارات الحكومية والإجراءات العسكرية، وهو البيئة الاجتماعية والأيديولوجية داخل إسرائيل.

وترى هاس أن أي عملية تهجير واسعة تحتاج إلى مجتمع قادر على تقبلها أو التعامل معها باعتبارها نتيجة طبيعية للحرب.

وفي هذا السياق تشير إلى تصاعد خطاب الانتقام والقوة وتطبيع استخدام الجيش للعنف ودور الحاخامات والتيارات اليمينية والمستوطنين في نشر أفكار تدعو إلى إخراج الفلسطينيين من مناطقهم.

وتكمن خطورة هذه الأفكار، في قراءة هاس في انتقالها من هامش الخطاب السياسي إلى المجال الأوسع، فكلما تكررت فكرة التهجير وترافقت مع إجراءات على الأرض أصبح تصورها أقل غرابة داخل المجتمع الإسرائيلي.

المستوطنون ودائرة العنف

تولي هاس اهتماما خاصا لاعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، وترى أنها قد تؤدي إلى دائرة متصاعدة من العنف.

فالسيناريو في وصف هاس يتشكل حين يبدأ الأمر باعتداء أو استفزاز، ثم يأتي رد فلسطيني، وبعد ذلك يستخدم الرد لتبرير إجراءات عسكرية جديدة.

بهذه الطريقة يمكن للعنف المحلي أن يتحول إلى ذريعة لعملية أوسع خصوصا في المناطق التي تتعرض أصلا لضغط استيطاني وعسكري.

ولا تفصل هاس بين هذه الممارسات وبين المشروع الاستيطاني الأوسع، فالمستوطنون في تصورها جزء من واقع سياسي وأمني تتقاطع فيه مصالح الحكومة والجيش والحركة الاستيطانية وليسوا مجرد مجموعات مدنية تعمل خارج مؤسسات الدولة.

 

الفلسطينيون داخل إسرائيل

لا تحصر هاس الخطر في سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، وإنما تشير أيضا إلى الفلسطينيين داخل إسرائيل، وتستحضر في هذا السياق قضايا الأرض والبناء وتوزيع الموارد، إلى جانب مشاريع تهويد مناطق في الجليل والنقب.

وترى أن هذه السياسات تكشف عن صراع أوسع حول الأرض والديموغرافيا والهوية، وهو صراع لا يتوقف عند حدود الأراضي المحتلة عام 1967.

وهكذا توسع هاس نطاق السؤال فالقضية في قراءتها هو مستقبل الوجود الفلسطيني في الحيز الممتد بين نهر الأردن والبحر المتوسط وليست فقط مستقبل غزة أو الضفة. 

لماذا تقول هاس انسوا حل الدولتين؟

عنوان المقال يحمل استفزازا سياسيا مقصودا. فهاس لا تطرح صيغة بديلة لحل الدولتين، وإنما تريد تغيير مركز النقاش.

فبدلا من السؤال عن حدود الدولة الفلسطينية وشكلها وعلاقتها بإسرائيل، تدعو إلى التوقف عند سؤال سابق على كل ذلك هل سيبقى الفلسطينيون في الأرض التي يفترض أن تقوم عليها أي تسوية سياسية؟

وهنا تظهر المفارقة الأساسية في المقال المجتمع الدولي يواصل الحديث عن حل الدولتين فيما يجري على الأرض وفق قراءة هاس إنتاج واقع قد يجعل قيام الدولة الفلسطينية أكثر صعوبة عبر توسيع الاستيطان، وتفكيك الجغرافيا الفلسطينية وإضعاف الاقتصاد وتغيير شروط الحياة.

لهذا لا ترى هاس التهجير مجرد قرار يمكن أن يصدر في يوم محدد، إنها تتحدث عن عملية تراكمية، من خلال الحرب والاستيطان والحصاروالقيود والهدم والعنف، وخطاب سياسي يهيئ المجتمع لتقبل النتيجة.

ومن اجتماع هذه العناصر قد يتشكل واقع جديد، حتى من دون إعلان رسمي يقول إن الهدف هو طرد الفلسطينيين.

في النهاية تعيد هاس صياغة السؤال الفلسطيني الإسرائيلي من أساسه فالمسألة ليست فقط دولة واحدة أم دولتان؟ وليست فقط هل تقبل إسرائيل بقيام دولة فلسطينية؟

السؤال الأكثر إلحاحا وفق منطق المقال هو إذا كان الفلسطينيون يفقدون تدريجيا شروط البقاء في أرضهم، فمن سيبقى حتى يصبح الحديث عن شكل الدولة ومستقبلها ممكنا؟

Developed by MONGID | Software House